المامقاني

354

غاية الآمال ( ط . ق )

فلازما وإن جائزا فجائزا وان موقوفا فموقوفا وان باطلا فباطلا فان عدم ترتب الأثر من مقارناته العادية وان لم يكن من مقتضياته لسبقه عليه و ( حينئذ ) فلا دلالة فيها على أصالة اللزوم أو الصّحة الَّا أن يعلم الجواز والفساد كما في العقد الخالي عن الرضا سابقا ولا حقا وأنت خبير بأن المناقشة المذكورة غير متجهة لأنه لو سلم جريان نزاع وضع الأسامي للصحيحة في البيع والصّلح وأمثالهما فلا نسلم جريانه في لفظ العقد الذي جمع في الآية على العقود فلم يحتمل فيه أحد كونه موضوعا للصّحيح فتطويل المقال بإيراد هذا الاحتمال مما لا وجه له فتعين انه موضوع لمطلق العهد الواقع بين اثنين والى هذا أشار في المصباح حيث قال عقدت الحبل عقدا من باب ضرب فانعقد والعقدة ما يمسكه ويحبسه ويوثقه ومنه قيل عقدت البيع ونحوه انتهى فالحاصل انه لم يقل أحد بأن العقد اسم للعهد الجاري بين اثنين الذي يترتب عليه الأثر شرعا أو عرفا فهو اسم لما هو أعم مما يترتب عليه الأثر وبقي ما أورده على القول بالأعم من أن قوله ( تعالى ) : « أَوْفُوا بِالْعُقُودِ » معناه إيجاب الوفاء بكل عقد على ما هو عليه ان لازما فلازما وان جائزا فجائزا وان موقوفا فموقوفا وان باطلا فباطلا فنقول في دفعه ان العلامة ( رحمه الله ) استشكل في الاستدلال بالآية على كون الأصل في العقود هو اللزوم بان المراد وجوب الوفاء بالعقد على ما هو عليه ان لازما فلازما وان جائزا فجائزا وزاد عليه المورد قوله ان موقوفا فموقوفا وان باطلا فباطلا ورام به الإيراد على الاستدلال وسقوطه واضح لان الوفاء بالعقد الباطل بمعنى عدم ترتيب الأثر عليه مع اعتراف المورد بأنه ليس من مقتضيات العقد الفاسد بل من مقارناته مما لا يفي لفظ الآية بالدّلالة عليه بل إدراجه في الآية مما يوجب ركاكة الآية الموجبة لتضييعها وإدراج الوفاء بالموقوف على وجه الموقوفية لو سلم لم يكن مما يوجب سقوط الآية عن الدلالة على وجوب الوفاء بالفضولي الذي هو من قبيل الموقوف على الإجازة بعنوان الموقوفية هذا وقد يناقش في الاستدلال بالآية المذكورة ( أيضا ) بأنه بعد تسليم دلالتها على أنه يجب الوفاء بكل عقد شك في صحته وفساده حتى يكون مؤداها أصلا وقاعدة كلية ويصير حاصلها الحاكم بصحة كل عقدا لان يعلم فساده نقول إن المتبادر من الآية انّما هو لزوم الصّحة الفعلية ولزوم وفاء الفعلي للعقد الواقع في الخارج الا ان يعلم فساده وان شئت قلت المتبادر من الآية صحة العقد في حال وقوعه ولا ريب في أن الصحة الفعلية غير لازمة لعقد الفضولي ضرورة عدم اتصافه بها قبل الإجازة بل ليس قبلها إلا الصّحة الموقوفة ومعلوم ان الصّحة الموقوفة غير مستفادة منها والتزام عدم صدق العقد على عقد الفضولي إلا بعد الرضا به و ( حينئذ ) تكون صحته فعلية مناف لظاهر كلماتهم كما لا يخفى على المتدبر فيها ودعوى لزومها لبعض افراده وهو الذي يسبقه أو يقارنه الرضا من المالك بدون توكيله للعاقد و ( حينئذ ) فإذا وجب الوفاء به وجب الوفاء بجميع افراده لعدم القول بالفصل بين الصنفين كما هو مقتضى إطلاق كلماتهم ومعاقد إجماعاتهم نفيا وإثباتا يدفعها ان ذلك مبنى على مقدمتين إحديهما كون ذلك من افراده عندهم وهو محلّ منع بل لعل كلماتهم ظاهره في غيره كما لا يخفى على المتتبع لها والثانية ان لا يكون على تقدير دخوله في الفضولي غير موقوف على الإجازة فيكون صحيحا بدونها وهو ( أيضا ) ممنوع هذا ولكن يندفع المناقشة المذكورة بأن عموم قوله تعالى : « أَوْفُوا بِالْعُقُودِ » قد خص بالشرائط الثانية فلا يؤخذ بعمومه الا فيما شك في ثبوته من الشرائط وهو واضح فعلى هذا نقول إن عقد الفضولي قد قيد صحة الفعلية بلحوق الإجازة بحكم الإجماع وغيره فيجب الوفاء فعلا بالعقد الحائز للشرط دون غيره و ( حينئذ ) نقول إن الفضولي الذي لحقه الإجازة يجب الوفاء به بالفعل والذي لم يلحقه الإجازة لا يجب الوفاء به وهو بعينه مثل العقد المشروط فيه الخيار أو المشتمل على شيء من أقسام الخيار يجب الوفاء به بعد القضاء مدة الخيار فعلا ولا يجب الوفاء به بمعنى الالتزام به قبل انقضائها بل يجوز الفسخ به وعلى هذا يسقط ما ذكره المورد بقوله والتزام عدم صدق العقد على عقد الفضولي إلا بعد الرضا به و ( حينئذ ) تكون صحته فعلية مناف لظاهر كلماتهم وذلك لأنه هو الموافق لكلماتهم وليس فيها ما ينافيه وما ذكرناه في رفع المناقشة يمكن استفادته مما لوح إليه ( المصنف ) قدس اللَّه تربته الزكية بقوله ومرجع ذلك كله إلى عموم حل البيع ووجوب الوفاء بالعقد خرج منه العاري عن الأذن والإجازة معا ولم يعلم خروج ما فقد الأذن ولحقه الإجازة ثم إنه قد يتوهم ان سر عدم وجوب الوفاء بالعقد الفضولي قبل لحوق الإجازة انما هو كون عقد الأجنبي قبل إجازة المالك له لا يصير عقدا له حتى يتوجه إليه الأمر بالوفاء بالعقد وذلك لان كل انسان مخاطب بالوفاء بالعقد الذي أوقعه هو دون غيره وهذا بخلافه بعد الإجازة فإنه يصير عقدا للمالك المجيز فيجب الوفاء وعندي ان ذلك بعيد عن السداد لأن صيرورة عقد الأجنبي عقدا للمالك بواسطة أجازته ممنوعة مضافا إلى ما قيل من أن وجوب الوفاء بالعقد غير مختص بمن أوقعه فيجب على كل مكلف الوفاء بالعقد الواقع مستجمعا للشرائط سواء صدر منه أم من غيره فان الوفاء به عبارة عن ترتيب الآثار عليه الا ترى ان من اشترى ثوابا من غيره يجب على من اطلع على اشترائه ترتيب آثار ملكيته عليه مثلا إذا أراد الصّلوة فيه وجب عليه ان يستأذن من المشترى دون المالك وعلى هذا القياس غيره فافهم وقد يناقش ( أيضا ) بانصراف العقود إلى المتعارفة في زمان الصدور وفي كون الفضولي منها تأمل بل منع وأجاب عن هذه المناقشة في شرح القواعد بأن الفضولي من جملة العقود المتعارفة في ذلك الزمان واستشهد على ذلك بالسيرة المأنوسة والطريقة المألوفة من تصرف الوكلاء والمأذونين سيما مع كثرة المال واتساع الحال في غير الوجه الذي تعلق به الإذن ثم اخبار الموكلين وطلب الإجازة منهم وكذا الأحباء والأصدقاء سيما مع بعد البلاد وهي عادة معروفة لا تنكر وأورد عليه في الجواهر بأن السيرة ان كانت من زمن الشارع واتباعه وقد كشفت عن رضاه بذلك وكفى بها دليلا على المطلوب من غير حاجة إلى تكلف الاندراج في الآية وان كان منشؤها الجهل والتسامح في الشرع ولذا لا يسلمون المبيع ويقبضون الثمن ويجرون باقي أحكام الملاك عليها فلا عبرة بها والا لاقتضت صحة الفضولي من غير تعقب الإجازة وهو معلوم الفساد ودفعه بعض من تأخر بأن السّيرة كانت ثابتة في زمانه ( عليه السلام ) كما هو صريح شرح القواعد الا انها معذلك لا توجب الاستغناء عن الآية في مقام الاستدلال لان قيام السّيرة على صنف معاملة كالفضولي مثلا انما يوجب ثبوت الصنف ولا ينافي من ذلك ثبوت جميع أفراده لان من جملتها ما هو خفي الفردية فيقع الشك في ثبوت الحكم الثابت بالسيرة له ومعلوم انها ليست من قبيل الأدلة اللفظية حتى تتصف بالعموم أو الإطلاق فيصح التمسك بشيء منهما في إثبات الحكم للفرد المشكوك فيه فتمس الحاجة ( حينئذ ) إلى التمسك بعموم قوله ( تعالى ) : « أَوْفُوا بِالْعُقُودِ »